ابن الأثير

665

أسد الغابة ( دار الفكر )

محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، قال : ] [ ( 1 ) ] وأنبأنا عمرو بن عبد اللَّه بن عنبسة ، عن أبي النضر ، عن عبد اللَّه البهي - دخل حديث بعضهم في بعض - أن أبا بكر الصدّيق لما مرض دعا عبد الرحمن - يعنى ابن عوف - فقال له : أخبرني عن عمر بن الخطاب . فقال عبد الرحمن : ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به منى ! قال أبو بكر : وإن ! فقال عبد الرحمن : هو واللَّه أفضل من رأيك فيه ، ثم دعا عثمان بن عفان فقال : أخبرني عن عمر . فقال : أنت أخبرنا به ! فقال : على ذلك يا أبا عبد اللَّه . فقال عثمان : اللَّهمّ علمي به أن سريرته خير من علانيته ، وأن ليس فينا مثله ! فقال أبو بكر : يرحمك اللَّه ! واللَّه لو تركته ما عدوتك . وشاور معهما سعيد ابن زيد أبا الأعور [ ( 2 ) ] ، وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار ، فقال أسيد : « اللَّهمّ أعلمه الخيرة [ ( 3 ) ] بعدك ، يرضى للرضي ، ويسخط للسخط ، الّذي يسرّ خير من الّذي يعلن ، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه » ، وسمع بعض أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبى بكر وخلوتهما به ، فدخلوا على أبى بكر ، فقال له قائل منهم : « ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا ، وقد ترى غلظته ؟ » فقال أبو بكر : أجلسوني ، أباللَّه تخوفونني ؟ خاب من تزوّد من أمركم بظلم ، أقول : « اللَّهمّ ، استخلفت عليهم خير أهلك ، أبلغ عنى ما قلت لك من وراءك » ثم اضطجع ، ودعا عثمان بن عفان فقال : اكتب : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أوّل عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر ، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، أنني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني لم آل اللَّه ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به ، وعلمي فيه ، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ، ولا أعلم الغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، والسلام عليكم ورحمة اللَّه » . ثم أمر بالكتاب فختمه ، ثم أمره فخرج بالكتاب مختوما ومعه عمر بن الخطاب ،

--> [ ( 1 ) ] ما بين القوسين عن الطبقات الكبرى لابن سعد : 3 / 1 / 141 ونحسبه سقط نظر . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : « سعيد بن زيد وأبا الأعور » . وهو خطأ ، « أبو الأعور » : هي كنية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، ابن عم عمر بن الخطاب ، ينظر ترجمته فيما مضى ، وهي برقم 2075 : 2 / 387 ، كما ينظر الطبقات الكبرى لابن سعد : 3 / 1 / 141 . [ ( 3 ) ] الخيرة - بكسر الخاء ، وفتح الياء وسكونها - : المختار والمصطفى ، من قولك : اختاره اللَّه ، ومنه قيل : « محمد صلى اللَّه عليه وسلم خيرة اللَّه من خلقه » .